الموقع الرسمي للشيخ د.رشيد بن أحمد بنكيران

إعلان الرئيسية




 إضاءات في التمييز بين مقامي التكفير الشرعي و البدعي


التكفيري مصطلح حادث معاصر، أطلقه بعض العلماء على مَن كفّر مسلماً بعينه دون حجة شرعية مجمع عليها، فيقال فلان كفّر مسلما بعينه فهو تكفيري، أي حكم على المسلم بالخروج من دين الإسلام دون الالتزام بالقواعد الشرعية المقررة عند علماء الشريعة وقضاتهم.
وقد يصاحب هذا التكفير دعوة إلى استعمال العنف ضد المسلم، فهو بهذا الوصف الزائد أقرب إلى  معنى المصطلح الشرعي: "خارجي" نسبة إلى الخوارج؛ أي من يتبنى منهج الخوارج الذين كفروا المسلمين بالمعاصي واستعملوا السلاح ضد جماعة المسلمين وإمامهم.
ومن الأوصاف الغالبة على التكفيري هو الجهل بالدين وأحكامه، وعدم التمييز بين منهج أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان والكفر وبين مناهج الفرق الضالة المنحرفة وعلى رأسهم فرقة الخوارج. وقد عرف المغرب في عقود قريبة مضت جماعة منحرفة تدعى "جماعة الهجرة والتكفير"، كانت تكفر عموم المسلمين وتأمر بهجرهم وعدم مخالطتهم؛ ( لا يتزوجون من المسلمين، ولا يؤكلون ذبيحتهم، ولا يردون عليهم تحية السلام..)، وقد تصدى العلماء الأخيار إلى هذا الفكر المنحرف وحذروا من هؤلاء الأشرار، وبينوا للناس خطر أعمال تلك الجماعة الضالة .
وإذا كان مصطلح "التكفيري"  قد استقر في عرف الاستعمال بين العلماء المعاصرين على المعنى الذي سبق ذكره آنفا، فإنه لا ينبغي أن تفوتني هذه الإشارة المتعقلة باختيار هذا المصطلح للدلالة على مَن كفّر مسلماً بعينه دون حجة شرعية مجمع عليها، فإن اختيار مصطلح "تكفيري"  لم يكن اختيارا حسنا  أو لم يكن موفقا بالدرجة المطلوبة، وذلك بسبب وقوع التداخل بينه وبين معنى شرعي صحيح؛ وهو الحكم بالكفر على من وقع في ناقض من نواقض الإيمان المجمع عليها، أو معلومة من الدين بالضرورة، فإن هذا المعنى صحيح وسليم ومن قام به على وجهه الشرعي يكون محمودا وليس مذموما، كما أنه يمكن أن نطلق ـ لغة ـ على فعله ذاك : "تكفيرا" أي إدخال في دائرة الكفر المخرج من الملة مَن وقع في ناقض من نواقض الإسلام باختياره دون إكراه، وعن علم دون جهل. وإذا كان ذلك كذلك، فهو عمل حق ومحمود ومطلوب شرعا.
ولهذا ، فأنا أدعو إلى اختيار مصطلح دقيق يكون ألصقَ بمن كفّر مسلماً بعينه دون حجة شرعية مجمع عليها، ويكون في الوقت نفسه أبعدَ عن الدلالة على المعنى الشرعي الصحيح لمن كفر مسلما بسلطان الشرع، حتى نتجنب اللَّبس، فإنه يقال: لا مشاحة في الاصطلاح ولكن بشرط أن يؤمَن الخلط والالتباس.
وسعيا لرفع الالتباس أو التقليل منه قدر الإمكان فإنه من المناسب جدا  أن نميز أولا في هذا المقال بين المسمى للتكفير السقيم  وبين التكفير السليم ؛ فنطلق على الأول: التكفير البدعي، وعلى الثاني: التكفير الشرعي.
وإذا كانت الإشارة الأولى لم تفتني فإنه لا ينبغي أن تفوتني الإشارة الثانية؛ وهي أن الحكم بالكفر على من وقع في ناقض من نواقض الإيمان أو ما اصطلحنا عليه بالتكفير الشرعي لا يتولى أمر ذلك إلا العلماء الكبار والمختصين الأكفاء في علوم الشريعة بالشروط المقررة في كتب الفقه المعتمدة، فلا اعتبار ولا قيمة لقول غير المؤهل مهما كانت فصاحته وجرأته وشهرته، فالمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، ولا أثر يترتب عليه.
 هل هناك ضرورة للتكفير الشرعي ؟
قد يقول قائل: ما لنا وللتكفير،  شرعيا كان أو بدعيا !! كما قد يقول:  دعوا  الناس بينهم وبين خالقهم، وكونوا دعاة ولا تكونوا قضاة  !!
فجوابا أقول: الموضوع ليس بهذه السطحية والسذاجة، فالتكفير البدعي موجود ومنتشر في الواقع، ولابد من الحديث عنه حتى يفتضح أمره وينكشف للناس باطله، فإن الظلم الذي ينتج عنه لشديد؛ فالإقدام عليه أولاً يترتب عنه اعتداء على حق الله جل جلاله؛ إذ ينسب لله حكم بالكفر وهو ليس كذلك، وهو وجه تسمية هذا النوع من التكفير بالتكفير البدعي.
وثانيا: في الجرأة عليه جناية على الأمة أو المجتمع المسلم بنشر الفكر المنحرف، والذي يترتب عنه فساد عام.
وثالثا: يسبب إذاية شديدة على من وقع عليه التكفير دون وجه حق، وكل ما ذكر من أسباب، توجب أن نتحدث عن هذا الموضوع، هذا فيما يتعلق بالتكفير البدعي.
أما عن التكفير الشرعي فهو حق خالص لله، شرَعَه في كتابه وعلى لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، وحَكَم الله فيه بالكفر على من كفر، وعلى العلماء ورثة الأنبياء أمانة التبليغ والتنزيل على المحل فحسب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحكم بالتكفير الشرعي على شخص معين داخل المجتمع المسلم، وهو حق من حقوق ذلك المجتمع ، وحق كذلك لمن تم تكفيره ولمحيطه القريب منه، ذلك:
1 ـ أن المجتمع الإسلامي من حقه أن يعرف حدود الكفر من حدود الإيمان والإسلام، حتى يكون على بينة من أمره، فإذا كان هناك أقوال أو أفعال من وقع فيها خرج من الإسلام وجب على العلماء بيانها والتحذير منها، ولهذا درج العلماء قديما وحديثا على تقرير أنه من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر، ويسمى هذا النوع من الأحكام بالحكم المطلق، مثلا من لبس الصليب فهو كافر، ومن استحل الزنا فهو كافر، ومن استهزأ بالقرآن فهو كافر،  فهي أحكام بالكفر على وجه الإطلاق لا تتعلق بشخص معين، وإن شئتم أن نقول:  هي أحكام على الفعل لا على الفاعل، وللحكم على من وقع فيه أي على الفاعل يحتاج إلى توفر شروط الحكم وانتفاع موانعه كما هي مقررة في كتب الفقه والعقيدة. والغرض من هذا الكلام هو تقرير أن التكفير الشرعي هو مطلب شرعي وتعريفه لعامة الناس ضرورة شرعية لصيانة للمجتمع من الوقوع في أفكار الجاهلية وأعمالها.
2 ـ أن المحيط القريب من ذلك الشخص الذي وقع في الكفر المخرج من الإسلام ـ والذي يتمثل في أسرته بالدرجة الأولى ـ  في حاجة ماسة إلى معرفة الأحكام الشرعية التي تترتب على كفر قريبهم الذي ارتد عن الإسلام، وإذا كان الجو العام المعاصر الذي انخرط فيه كذلك بعض الإسلاميين ينادي بحرية المعتقد ورفع تجريم الردة، فإنه يجب يعلم أن  المسلم عليه واجبات وله حقوق بموجب إسلامه، ويترتب عن ردته واجبات وحقوق، من بينها:
حق ميراث المال؛ فالمسلم لا يرثه إلا مسلم، فلا يحق للولد المرتد أن يرث أبويه المسلمين مثلا، وأي سكوت عن ذلك تضييع لحقوق الورثة الآخرين.
حق التزاوج؛ فالمسلم لا يتزوج إلا مسلمة أو كتابية، والمسلمة لا تتزوج إلا مسلم، وأي ارتباط جنسي بين رجل وامرأة خارج هذا المفهوم يسمى زنا، والأولاد من هذه العلاقة يسمون في الشرع أبناء زنا .
حق الولاية؛ فالمسلم أو المسلمة لا يكون وليا عليهما إلا المسلم، فلا يجوز للمرتد أن يكون وليا على أبنائه المسلمين ولا على والديه المسلمين.
حق تشييع الجنازة والدفن؛ فلا يصلي المسلم صلاة الجنازة إلا على مسلم، ولا يُدفن في مقبرة المسلمين إلا مسلم. وحقوق كثيرة غير ما ذكر هي مقررة في كتب الفقه، تترتب عليها أحكام شرعية متنوعة سواء في جانب العقيدة أو الأخلاق أو المعاملات أو العبادات.
وبناء عليه، لا يجوز للعالم أن يسكت عن حكم التكفير الشرعي وما يترتب عليه وحدود الله تنتهك بسبب هذا السكوت، وكذلك لا يجوز للعالم أن يتغافل عن التكفير الشرعي وحقوق المسلمين تضيع وحرماتهم يستهزأ بها بسبب عدم الإقدام عليه، فالتكفير الشرعي هو سلطان الله في الأرض لتحفظ به المرجعية الإسلامية وهويتها عن غيرها، فلابد من رسم معالم الإيمان والإسلام والفصل بينها وبين معالم الكفر والشرك، والتكفير الشرعي هو كذلك سلطان الله في الأرض لتحفظ به حقوق الجميع، المسلم وغير المسلم.
3 ـ  ونحن إذا تحدثنا عن حق الله  وحق المجتمع الإسلامي وعن المحيط القريب ممن وقع في الكفر المخرج من الإسلام، فلا بد من الحديث عن حق هذا الذي سقط في الكفر، فإنه قبل كل شيء كان مسلما بيقين ويعتنق الإسلام و له حقوق على مجتمعه الإسلامي، وأعظمها الحقوق التي لديه هي على العلماء، فمن حقه عليهم ـ وهي أمانة في عنقهم ـ أن يبينوا له وجه الكفر الذي سقط فيه، ومن يدري قد تكون لديه شبهة هم مطالبون شرعا بأن يحاوروه وأن يقيموا عليه الحجة الشرعية الرسالية التي لا يقبل بعدها عذر، ثم ينصحونه ويدعونه إلى التوبة. فمن أشد الناس تضررا من إعراض العلماء الربانيين عن التكفير الشرعي هو من وقع في الكفر المخرج من الإسلام، فإن كثيرا ممن يصدر منهم أعمالا كفرية جاهلون بخطورتها، وكثيرا منهم من يظنها أنها من صنف المعاصي كشرب الخمر أو الوقوع في الزنا أو أكل مال حرام، وأنها قد تشملها مغفرة الله ولو مع الإصرار على فعلها وعدم الرجوع عنها، ومنهم من يظن أن الكفر محصور في إنكار وجود الخالق جل جلاله أو جحود رسالة محمد عليه الصلاة والسلام. ولهذا، فإن الحديث عن التكفير الشرعي هو مصلحة للمجتمع وللفرد، ولا يجوز مباشرة ذلك إلا من طرف العلماء الكبار المؤهلين لذلك كما سبق الإشارة إليه.    
صناعة الفوبيا من التكفير الشرعي  (فوبيا التكفير الشرعي)

فوبيا التكفير الشرعي هي جزء من فوبيا الإسلام الذي أصبح اليوم صناعة مؤسساتية، و يلاحظ أن هناك هجوما شديدا على موضوع التكفير، ويمكن أن نصنف المهاجمين عليه إلى صنفين؛
صنف يهاجم من باشر موضوع التكفير باعتبار أن من تطرق إليه غير أهل لذلك ووقع في التكفير البدعي وكان يفسد ولا يصلح، وترتب على تكفير المسلمين بغير حق مواقف خطيرة تستحق أن نطلق عليها وصف نشر الفساد في الأرض، ولن يتردد صوت الشرع والعقل والواقع في التنديد بهذا الصنف وفكره والدعوة لمحاربته، وكان العلماء والدعاة هم في طليعة من حارب هذا الفكر وحذروا  المسلمين ـ وخصوصا الشباب منهم، لأنهم  الفئة المستهدفة بخطاب التكفير البدعي ـ  من مغبة تصديق ذلك الخطاب والفساد العريض الذي سيعقبه.
وصنف ثان يهاجم موضوع التكفير عموما دون تمييز بينه التكفير البدعي والتكفير الشرعي، وهم المنظرون للفكرالعلماني الإباحي بالمغرب، بل هذا الصنف يتعمد هذا  التعميم ويستغل أخطاء أصحاب التكفير البدعي ليحارب بها صوت العلماء الشرعيين، الذين يقفون سدا منيعا أمام أطروحة هؤلاء المنظرين.
ونظرا لامتلاك هذا الصنف لسلطة الإعلام ويشتغل وفق أجندة  مشبوهة ويجد مساندة من الغرب ماديا ومعنويا فإنه استطاع أن يصنع فوبيا من التكفير الشرعي، فبمجرد أن يصدر من هؤلاء العلماء الربانيين ما يدين أقول الفكر العلماني الإباحي، ويحكمون عليها بما تستحق وفق الدليل الشرعي، ويسمون الأشياء بأسمائها، إلا ورفع هؤلاء المنظرون من العلمانيين الإباحيين ومن هم على منهجم صوتهم منددين بمقتضيات التكفير الشرعي، فأرهبوا العلماء واستعدَوا عليهم الرأي العام وأطلقوا عليهم أوصافا تطلق على أصحاب التكفير البدعي. وغرضهم من هذا كله أمور، من أهمها:
ـ تخويف العلماء وإسكاتهم عن قول الحق، وإقصاء الخطاب الشرعي المعتدل عن مدافعة الباطل الذي تروجه منابر الانحراف الفكري والفساد الأخلاقي؛
ـ  تغييب مقتضيات التكفير الشرعي وتقزيم  الهوية المغربية الإسلامية؛    
ـ   التطبيع مع خطاب الإباحية والسلوك المنحرف ورفع الحاجز الإيماني لدى المجتمع المغربي أو ما يصطلح عليه الإباحيون بكسر الطابوهات؛
ـ تمكينهم من ممارسة التقية أو النفاق الاجتماعي؛ لأن إطلاق وصف الكفر عليهم وفق مقتضيات التكفير الشرعي سيفضحكم أمام المجتمع المغربي، فما معنى أن ينشر هذا المنبر العلماني  الإباحي هذه الأفكار ويقول إما لفظا أو معنى:
 ـ أنا أعتقد أن قوانين حقوق الإنسان تسمو على قوانين القرآن وتعلو عليه، ويرفض أن يقال لها: كافر بالقرآن؛
ـ و يصرح أنه "لا ديني" أي لا يؤمن بالدين، ويرفض أن يقال له: كافر بالدين؛
ـ  يقول أنا لا أريد ثنائية (حلال حرام) وكرهتها، ويرفض أن يقال له: كافر بشريعة الحلال والحرام؛
ـ ويقول إن أحكام الإسلام ظلامية وماضوية ورجعية ويرفض أن يقال له: كافر بأحكام الإسلام.
لا أجد تفسيرا منطقيا لمن كفر نفسه وأخرجها من دائرة الإسلام ثم يرفض أن يقال له: أنت لست مسلما ، ولكن إذا استحضرنا الغرض الذي ذُكر آنفا  علمنا أن هؤلاء يتعمدون صناعة فوبيا التكفير الشرعي حتى يزيلوا العقبات التي تحول بينهم وبين تمرير الخطاب العلماني الإباحي دون معارض.
 وأخيرا، كان الغرض من هذا المقال أن نميز بين التكفير البدعي الذي يجب محاربته، وبين التكفير الشرعي الذي يجب مساندته، وأنه على العلماء الربانيين رسميين وغير رسميين ـ ولابد ـ أن يتصدروا المشهد ليبينوا الناس معالم الإيمان ومعالم الكفر، وإن صعب عليهم أحيانا الحكم على المعين بالكفر لأسباب متنوعة ومتفهمة، فإنه لن يجدوا مسوغا شرعيا للسكوت عن الحكم المطلق بالكفر على تصرفات كفرية معاصرة. ويجب عليهم وأن يتصدوا لمن يريد أن يعيد المسلمين إلى الجاهلية التي أنقذهم الله منها مستغلا أسماء براقة مثل؛ الحريات الجنسية، والحقوق الكونية، وجسدي حريتي، وغيرها من المصطلحات التي تبدو لها معنى حسن ولكن في حقيقتها أو في بعض تمثلاتها هي كفر بدين الإسلام وشريعته ودعوة إلى الجاهلية.
د. رشيد بنكيران
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق