جاء في كتاب [في فقه الأولويات] من تأليف الشيخ يوسف القرضاوي في فصل: [معيار لا يخطئ… الاهتمام بما اهتم به القرآن] أنه قال جزاه الله خيرا:
“ومن المعايير التي ينبغي الرجوع إليها في بيان ما هو أحق وأولى بالرعاية والتقديم على غيره: أن نَعْنَى بالأمر على قدر ما عَنِيَ به القرآن الكريم.
فما اهتم به القرآن كل الاهتمام، وكرره في سوره وآياته، وأكده في أمره ونهيه، ووعده ووعيده يجب أن تكون له الأولوية والتقديم والعناية في تفكيرنا وفي سلوكنا، وفي تقويمنا وتقديرنا.
وساق الدكتور القرضاوي بعض الأمثلة توضح المراد، ثم قال جزاه الله خيرا:
أما (مولد النبي) فلم يعره القرآن التفاتاً، فدل على أنه أمر غير ذي بال في الحياة الإسلامية، إذ لم يرتبط به معجزة كما ارتبط بميلاد المسيح، كما لم يرتبط به عملٌ أو عبادة تطلب من المسلمين على وجه الإيجاب، ولا على وجه الاستحباب.
فهذا المعيار لا يخطئ؛ لأن القرآن هو عمدة الملة، وأصل الدين، وينبوع الإسلام، والسنة إنما تأتي شارحة ومبينة”.
قلت: وتأكيدا على صحة ما قاله الشيخ في هذا المعيار الذي لا يخطئ وهو الاهتمام بما اهتم به القرآن وأنه أصاب كبد الحقيقة فيما يتعلق بمولد النبي عليه الصلاة والسلام ما فهمه الصحابة رضون الله عليهم من القرآن والسنة والتزموا به، وفي خصوص مولد النبي فقد دل عمل الصحابة على عدم التفاف إليه.
والتزاما بقوة هذين المعيارين الذين لا يخطئان أبدا فإن الأئمة الأربعة لم يلتفتوا إلى الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام، رغم معرفتهم بالنصوص الشرعية التي يستدل بها المجوزون من المتأخرين، فعن هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الحديث رويت وعنهم أخذها المتأخرون، إلى أن جاء القرن الرابع الهجري وأحدث العبيديون الشيعة الاحتفال بالمولد.
وإن تعجب فعجب من صنيع مجوزي الاحتفال بالمولد، إذ أنهم يسوقون تلك النصوص الشرعية مستدلين بها -إيهاما منهم- أن مسألة الاحتفال هي مسألة فقهية، وهذا غير صحيح البتة، فإن تلك النصوص الشرعية كانت بين أيدي الصحابة أولا، ثم علم بها الأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء القرون المفضلة التي شهد لهم رسول الله بالخيرية، إلا أنهم لم يفهموا منها ولم يستنبطوا منها جواز الاحتفال بذكرى المولد كما فهمه منها المجوزون، الذين ذهب أوائلهم -في بداية الأمر- أن الاحتفال بالمولد مستحب، وهناك من شذ منهم وقال بالوجوب، وعد يوم المولد لا يجوز صومه كالعيد، ولكن المعاصرين من المجوزين الآن يقولون فقط بالإباحة، بناء على أن الاحتفال بالمولد من باب العادات وليس من باب العبادات.
وهذا التخبط في الحكم في المسألة عند المجوزين يدل دلالة واضحة أن مسألة الاحتفال بالمولد ليس مسألة فقهية، وأن النصوص الشرعية التي سيقت لأجل ذلك لا علاقة لها بأصل المسألة، فهل غاب فهم المجوزين -سواء المتأخرين منهم أو المعاصرين- على جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الفقهاء ومنهم الإمام المبجل مالك بن أنس رحمه الله، وتلميذه النجيب العلامة ابن القاسم…، والإمام البخاري، والإمام مسلم، وغيرهم كثيرا، وإنما وقع لهؤلاء المجوزين أنهم اعتقدوا أولا ثم استدلوا، وهذا منهج معيب.
وإذا تقر أن الاحتفال بالمولد ليست مسألة فقهية فيجب أن يعلم أن هذه المسألة هي من المسائل المنهجية بين أهل السنة وأهل البدعة، كما كان منشؤها في أول الأمر من العبيديين الشيعة المبتدعة، في مقابل أهل السنة الذين لم يحدثوها ولم يبتدعوها، بل ساروا على نهج الصحابة ومن تبعهم بإحسان ملتزمين بالمعيارين الثقيلين.
ولا يعني تقسيم الناس باعتبار الاحتفال بالمولد بين أهل السنة وأهل البدعة تبديع الأعيان الذين يحتفلون اليوم بالمولد، فهذا الحكم قد يكون له ـ في وقتنا المعاصر ـ من الموانع الشرعية المعتبرة على قواعد أهل السنة مما يجعلنا لا نفكر فيه ولا نلتفت إليه، وإنما الغرض أن يتصور طلبة العلم والدليل وعموم المسلمين حقيقة مسألة الاحتفال بالمولد وأنها لا تندرج في أبواب الفقه ومسائله، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين.
وعودا على بدئ، فإن كلمة الدكتور يوسف القرضاوي موصلة إلى المبتغى بأقصر طرقه، وخير الكلام ما قل ودل كما قيل، ولما كانت كلمة الدكتور من الذهب فهي لا شك أنها مما ترجى وتطلب: “أما (مولد النبي)، فلم يعره القرآن التفاتاً، فدل على أنه أمر غير ذي بال في الحياة الإسلامية، إذ لم يرتبط به معجزة كما ارتبط بميلاد المسيح، كما لم يرتبط به عملٌ أو عبادة تطلب من المسلمين على وجه الإيجاب، ولا على وجه الاستحباب”.
فهل من معتبر ومتعظ؟
المصدر : هوية بريس
