الموقع الرسمي للشيخ د.رشيد بن أحمد بنكيران

إعلان الرئيسية


الحمد لله وكفى وصلى الله على رسوله الذي اصطفى أما بعد: فأيها الأحباء والأصدقاء
نعيش الليلة الثانية من شعر شعبان، هذا الشهر الذي هو شهر عظيم عند الله وله مزية خاصة لا توجد في سائر الشهور، ورغم ذلك فمن الناس من يغفل عنه ولا يغتنمه. أخرج الإمام النسائي بسند صحيح عن أسامة بن زيد أنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ صلى الله عليه وسلم «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
فهذا الحديث الذي بين أيدينا يخبرنا عن ثلاث حقائق لا بد للمسلم أن يتفطن لها.
الحقيقة الأولى : تتعلق بعظم العبادة عند غفلة الناس، بالقدر الكبير للعابد الفطن عند وجود المتهاونين المفرطين، بالمكانة الرفيعة للطاعة والذكر عند نسيانهما من طرف غالبية الناس: فما أعظم أن تذكر الله حين ينساه الناس، وما أعظم أن تعبد الله حين يغفل عنه الناس، وما أعظم أن تقبل على الله حينما يعرض عنه الناس.
وقد دل على عظم العبادة عند غفلة الناس أحاديث كثيرة متنوعة نقتصر على بعضها:
ـ ما رواه الترمذي وحسنه الألباني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهُوَ حَىٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ».
قال العلماء: والسبب في هذا الأجر الكبير أن السوق مكان الغفلة عن ذكر الله والاشتغال بالتجارة والربح الدنيوي، فهو موضع سلطة الشيطان ومجمع جنوده، فالذاكر هناك يحارب الشيطان ويهزم جنوده في وقت غفلة عن الذكر، فهو خليق بما ذكر من الثواب.
ـ ما روى مسلم عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْعِبَادَةُ فِى الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَىَّ»، وقيل في تفسير الهرج كثرة القتل، وقيل شدة الفتنة، والمعنى الأولى يدخل في الثاني من جهة العموم، فعبادة الله عند الفتنة، والتي عادة يكثر فيها غفلة الناس عن الذكر وعن العبادة ويكثر في تجاهل أحكام الشرع، قلت فعبادة الله في هذه الأحوال كانت في الأجر كمن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ ما رواه الترمذي وغيره بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ» ، فكان من جملة ما يدخل به المسلم إلى الجنة أن يصلي بالليل حينما يكون الناس نياما، فدل على أن الصلاة عند غفلة الناس درجتها عند الله كبيرة .
الحقيقة الثانية: تتعلق برفع عمل العبد إلى الله وهي عند قوله صلى الله عليه وسلم: «وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ». ورفع أعمال العباد إلى الله لها صور متنوعة، منها:
1 ـ الرفع اليومي: ففي الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِى صَلاَةِ الْعَصْرِ وَصَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ » .
2ـ الرفع الأسبوعي : ما رواه الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ ».
3 ـ منها الرفع السنوي: ففي هذا الشهر المبارك شهر شعبان ترفع أعمالك أيها المسلم، كأن السنة أو العام في الإسلام باعتبار ما يقدمه العبد من أعمال يبتدئ بشهر رمضان وينتهي في شهر شعبان، فترفع وتعرض أعمالك على رب العالمين، ، فانظر لنفسك كيف تريد أن تلقى الله عز وجل في خاتمة هذه السنة، بطاعات وعبادات تقربك من الله أم بمعاصي وفجور تمنعك من رحمة الله، والعبرة بالخواتيم، فاللهم وفقنا إلى حسن الختام .
الحقيقة الثالثة: تتعلق بالترغيب في الإكثار من الصيام ؛ فكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان هو الإكثار من صومه؛ «... ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» فإن النبي  كان يحب صيام هذا الشهر ويكثر من ذلك لكي ترفع أعماله وهو صائم، والصيام هو العمل الذي كان يحرص عليه أثناء عرض أعماله على رب العالمين في الأسبوع، وقد مر بنا قوله صلى الله عليه وسلم: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ ». وهذا يدعو المسلم أن يكثر من الصوم في شهر شعبان على وجه الخصوص، ويكثر كذلك من عموم الطاعات التي يحبها الله عز وجل، ومن أعظم الأعمال التي يحبها الله عز وجل في هذه الظروف التي يعيشها المغرب بل العالم كله هو الإنفاق في سبيل الله وإطعام الطعام على المحتاجين، فالناس في حاجة شديدة بما يصلح معاشهم، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
ارجو الله أن يوفقني وإياكم أن نجعل هذه الحقائق الإيمانية واقعا في حياتنا العملية، ولا تبقى مجرد كلمات وأفكار في العقول، فما أكثر ما نسمع وما أقل ما نعمل، والله المستعان.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق