ذهب أكثر العلماء ، ومنهم الائمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلى جواز كشف المرأة وجهها وكفيها ولم يروا أنهما من العورة التي تجب على المرأة سترها، وبه أدين الله عز وجل لقوة دليلهم. ومن ادعى أنه وقع اتفاق العلماءعلى وجوب تغطية المراة وجهها وكفيها فقد أخطأ خطأ فاضحا.
الخلاف في المسألة:
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي (ت: 422هـ) في كتابه الإشراف على نكت مسائل الخلاف: "وجميع بدن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها. خلافاً لمن قال لا يجوز لها كشف الوجه واليدين، وهو أحمد بن حنبل".
وقال ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ) في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد: "أما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة ما خلا الوجه والكفين، وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة، وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، وأحمد إلى أن المرأة كلها عورة".
وقال ابن جزي الغرناطي (ت: 741هـ) في كتابه القوانين الفقهية: "وأما الحرة فكلها عورة إلا الوجه والكفين، وزاد أبو حنيفة القدمين، ولم يستثن ابن حنبل".
فهذه أقوال مذكورة في كتب ألفت لنقل الخلاف العالي بين المذاهب الإسلامية المعتبرة، وقد اتفقت على تقرير أن المذاهب الفقهية الثلاث؛ الأحناف والمالكية والشافعية ترى أن الوجه والكفين ليسا بعورة يجب على المرأة سترهما، بخلاف المذهب الحنبلي الذي خالفهم في ذلك، وعد جميع جسد المراة يجب عليها ستره بما في ذلك الوجه والكفين.
وما قررته كتب الفقه أكدته كتب التفسير. قال ابن جرير (ت: 310هـ) في تفسيره :
"وقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يقول تعالى ذكره: ولا يُظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهنّ، وهما زينتان: إحداهما: ما خفي وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد، والأخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنيّ منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول: زينة الثياب الظاهرة... .
وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه: الكحل، والخاتم، والسواران، والوجه...،
وقال آخرون: عنى به الوجه والثياب...،
ثم قال ابن جرير: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب". قلت: يعني بذلك أن القول الثاني يؤول إلى القول الثالث ، وهو ما أومأ إليه ابن العربي في كتابه أحكام القرآن.
وقد نُسب تفسير الزينة الظاهرة المستثناة بالوجه والكفين إلى عبد الله بن عباس وابن عمر رضي الله عنمها، وإلى عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم من فقهاء الأمصار. ومن أراد أن يقف على ذلك فلينظر إلى تفسير ابن كثير وتفسير القرطبي وغيرهما . وهو ما رجحه ابن العربي (ت: 543هـ) في أحكامه، فقال: "والصحيح أنها من كل وجه هي التي في الوجه والكفين ، فإنها التي تظهر في الصلاة ، وفي الإحرام عبادة، وهي التي تظهر عادة ".
ومن المؤلفات المعاصرة التي أولت لهذا الموضوع أهمية خاصة لا تجد لها نظيرا ما كتبه الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابيه "جلباب المرأة المسلمة"، و "الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها وأوجب ولم يقنع بقولهم: إنه سنة ومستحب".
وعنوان هذا الكتاب الأخير كاف في الإشارة الى قوة المعركة التي خاضها الشيخ الألباني رحمه الله مع من عدّ وجه المرأة وكفيها من العورة التي يجب سترها، وتعسف في رد الأدلة التي تفيد جواز الكشف.
هذا، وقد تنوعت أدلة العلماء التي تدل على جواز كشف المرأة وجهها وكفيها بين المنقول والمعقول وهي مبثوتة في كتب التفسير وكتب الفقه. وحسبي أن أشير في هذا المقام أن تغطية الوجه والكفين أو كشفهما هي من العادات التي الأصل فيها عدم وجوب شيء منها إلا بدليل قوي ينقلنا من الأصل، فإذا وقع النزاع في الدليل الناقل ولم يسلم من المعارضة فإن التشبت بمقتضى دليل الأصل هو عين الفقه السليم، فكيف إذا انضاف إلى دليل الأصل ما دل عليه ظاهر النصوص الشرعية وكان أيضا هو رأي أكثر العلماء، فلا عاقل يتردد في البقاء مع الأصل الذي هو جواز كشف المرأة وجهها وكفيها وعدم اعتقاد وجوب تغطيتهما.
تنبيه وتوجيه:
ينقل عن بعض العلماء وخصوصا المالكية منهم أنهم يقولون بوجوب ستر المرأة وجهها وكفيها عند الخشية من الفتنة، وهي أقوال معلومة معروفة في مضانها، وتعليق حكم الوجوب بالخشية من الفتنة دليل على أنه غير مستفاد من نصوص شرعية متعلقة بذات الموضوع، وإنما هو نظر مصلحي بني على سد الذريعة، والمراد بالفتنة في سياق كلام العلماء أمران:
الأول منهما: حُسن المرأة؛ أي إذا كانت المرأة ذات جمال يخشى على من رأى وجهها من الأجانب أن يفتتن بها افتنانا لا يقاوم، وهذا مع احتمال وجوده نادرا في كل زمان، فإن وجوده في زماننا أشد ندرة، وذلك بسبب الأحوال التي نعيشها، وأقصد وجود نساء حسنوات متبرجات بل عاريات بالمعنى النبوي، فرؤية امراة مجلببة (أي تستر جميع جسدها إلا الوجه والكفين، التي أصبح يصطلح عليها في وقتنا المعاصر بالمحجبة) ذات ووجه في غاية الجمال لم يعد يشكل فتنة كما كان في عهد من سبق، وعلى كل حال، فإن وجد امرأة من هذا الصتف ـ وهو أندر من النادر ـ فلا مانع من أن تنتقب.
والأمر الثاني: سوء أخلاق المجتمع ، بحيث يوجد من يتجرأ على النساء المحجبات غير المنقبات ويعترض سبيلهن، كما وقع في بداية العهد المدني (السنة الخامسة للهجرة) ونزلت آية من سورة الأحزاب ترشد المسلمات بما يشرع فعله اتقاء تلك الفتنة ودفع إساءة المتجرئين المتجاسرين {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59]، فكان ستر الوجه أو ارتداء النقاب يحقق مصلحة بدفع تلك المفسدة. ولكن اليوم، الواقع ليس كما كان عليه من قبل، فإن المتجرئين والمتحرشين والمعترضين سبيل النساء لا يتركون لا منقبة ولا محجبة ولا سافرة على حالها، وإنما يقلل من تلك الفتنة أو المفسدة هو سلوك المرأة وأخلاقها وأسلوب تعاملها مع المتحرشين ومعاقبة السلطة لمن وقع منه ذلك. والغرض من ذكر هذا الكلام هو بيان أن ارتداء المرأة المحجبة غير الساترة لوجهها النقابَ لا يحقق المقصود في دفع الفتنة المشارة إليها.
ـ فتنة أخرى تعرفها المرأة المنقبة لابد من الحديث عنها:
مما سبق ذكره، تبين أن من المقاصد التي تغيتها فئة من العلماء هو دفع الفتنة عن المرأة المحجبة في واقع معين، ويكون ذلك بالتزام ستر وجهها أو ما اصطلح عليه في وقتنا المعاصر بارتداء النقاب، ولكن اليوم نلاحظ في واقعنا (بلد المغرب) أن المرأة المنقبة تعرفة فتنة من نوع آخر هي أولى بالنظر والاهتمام، ويمكن أن نلخصها في أمرين اثنين:
الأول منهما: هو إثارة انتباه المجتمع للمراة المنقبة، فبداعي الفضول أصبح الغالب ـ إلا من رحم الله ـ يراقب حركاتها وسكناتها، ويتشوف إلى رؤية وجهها ويحملق في عينيها يكاد يخطفهما، ولو أنها كانت محجبة؛ اي ساترة لجميع جسدها إلا الوجه والكفين لما نالت ذلك الاهتمام ولا أثارت ذلك الانتباه المبالغ فيه، ولرأى المجتمع انها كسائر النساء وستكون حينئذ في مأمن من هذا الاهتمام الفضولي.
والثاني: هو الإقصاء للمرأة المنقبة من طرف الآخر أو تهميشها أو استعدائها أحيانا. هذا الآخر - على اختلاف موقعه في المجتمع - قد يكون:
هو العائلة، فكم من عائلة نفرت قريبتها المنقبة وأبعدتها أو ابتعدت عنها، بل كم من أم رأت أنه من المصلحة أن يخرج ابنها المتزوج بالمرأة المنقبة بسبب الوضع الذي يفرضه نقاب زوجته داخل بيت العائلة؛ تباعد مرهق بين الإخوة والأخوات، وبين أفراد الأسرة...، وهذه أشياء أذكرها من خلال معرفتي الجيدة بواقع الناس، الذين كانوا يقصدونني لأجل الاستشارة في مشاكلهم، وكان من الحلول التي أقدمها لهم هو أن تنزع المرأة النقاب داخل البيت باعتبار انه مستحب شرعا وليس بواجب عليها.
وقد يكون هذا الآخر هو الجار، فإذا كانت المرأة تحمل مشروع دعوة ورسالة لمحيطها أو زوجها يحمل ذلك المشروع، فإن نقاب الزوجة ـ بحكم الثقافة السائدة ـ قد يكون عائقا للجيران من تقبل دعوته.
وقد يكون الآخر هو المؤسسات الإدارية على تنوعها، أو المؤسسات التعليمية، أو قطاعات العمل، فلا يمكن أن نتاجهل هذا الواقع الذي يقصي المرأة المنقبة من الحياة الاجتماعية، ويجعلها في هامش المجتمع ولا قيمة لها و أثر وتأثير، وكفى بهذا الواقع المرير فتنة لها.
ولا يفهم من كلامي أنني أسوغ هذا الإقصاء، بل أرفضه رفضا قاطعا، وأعده من الظلم البين عليها، فهو مخالف للدين الإسلامي الذي أقر مشروعية ستر وجه المرأة، ومخالف لعرف المجتمع المغربي الذي قبل هذه الفئة دون نكير، ومخالف لمبادئ حقوق الإنسان التي يتشدق بها العلمانيون، ويجب على الجميع مطالبة برفع هذا الظلم، ولكن حديثي الآن ليس في هذا المقام، إنما جاء ليعالج وقعا تتجاذبه أطراف متنازعة، وتتعارض فيها مصالح معينة، وتقع المرأة المسلمة بسبب ذلك في فتنة عظيمة، ففي هذه الحالة ماذا يجب عليها فعله، فهل لها أن تتنازل عن النقاب مكتفية بما أوجوبه الله عليها من ستر جميع جسدها إلا الوجه والكفين ؟ أم تتشبت بالنقاب غير ملتفة لمصالح أعظم من النقاب تفوتها.
وهنا تأتي القواعد الشرعية التي تقرر أنه في حالة تعارض المصالح وتعذر الجمع بينها يجب أن تقدم المصلحة الأعلى على المصلحة الأدنى، فلباس النقاب أو ستر الوجه هو من التحسينيات، وكونه من التحسينيات ليس معناه أنه غير واجب، فقد يكون الأمر واجبا وهو من التحسينيات، وقد يكون الأمر مستحبا وهو من الحاجيات، وفي تقرير هذا الكلام يدخل حتى من يعتقد وجوب سترة المرأة وجهها وكفيها وليس فقط من يراه مستحبا، فإذا تعارض لباس النقاب مع ما هو أعلى منه مصلحة كأن يكون هذا الشيء من الحاجيات فأنه تقدم المصلحة الأعلى.
في مقال آخر أذكر ـ إن شاء الله تعالى ـ أمثلة توضيحية
