الموقع الرسمي للشيخ د.رشيد بن أحمد بنكيران

إعلان الرئيسية

 



هيمن حدث المنشور الذي وضع في بعض الأماكن العامة بمدينة طنجة على الساحة الفكرية ومواقع التواصل الاجتماعي، فتجاذبته الأقلام واختلفت حوله الآراء . ولنا مع ذلك الحدث وتلك الآراء وقفات، وهي كالآتي:

الوقفة الأولى:
يعد وضع المنشورات في الأماكن العامة دون ترخيص من السلطات المعنية عملا غير مقبول، لأن فتح هذا الباب دون ضوابط سيفضي إلى جعل تلك الأماكن مسرحا للمزايدات الشوفينية والتقاطب الحاد بين المختلفين قد يترتب عنه مآلات لا يحمد عاقبتها تصل إلى استعمال العنف.
ولهذا، فمن الواجب على السلطات المعنية أن تتخذ كل التدابير لمنع هذه التصرفات غير المسؤولة.
الوقفة الثانية:
استعمل صاحب المنشور ألفاظا لا تليق بمخاطبة عموم الناس، وأطلق عبارت مشينة وسبابا لأولياء الفتيات والنساء دون مراعاة لما يجب مراعاته في هذا المقام.
وقد جرت العادة أن هذا الأسلوب في الخطاب عديم الفائدة، لا يرجى منه تحقيق أي مصلحة، بل بالعكس من ذلك؛ فصاحبه يفقد أنصارا يفترض أنهم من مؤيدي الفكرة العامة التي يحرص على إرسالها.
ولهذا، فإن على صاحب المنشور ومن يشاركه هذا الأسلوب أن يتخلوا عن الحماسة الزائدة والاندفاع غير المنضبط بالعلم والحكمة، فكم من مريد للخير لن يصبه.
الوقفة الثالثة:
عالج المنشور سلوكا من السلوكات التي أصبح تنتشر أكثر في المجتمع المغربي، وهو ارتداء لباس مثير للغرائز الجنسية، لباس مليئ بالإحاءات الجنسية، ومخل بالحياء العام، الذي وصفه القرآن الكريم بتبرج الجاهلية الأولى.
فالمنشور ـ حقيقة ـ لا يتحدث عن مطلق التبرج، ولا يتحدث عن كشف النساء لرؤسهن أو العنق أو الأطراف، أو ما أصبح يعرف في بعض الأوساط بالتبرج المحافظ!
كما أنه لا يتعرض لموضوع الحجاب والدعوة إليه، وإنما يتحدث عن لباس مستفز وسلوك معتد على الآخر، فإن المرأة حينما ترتدي اللباس الذي يبرز المفاتن الجنسية لديها في الأماكن العامة قامت بتحرش بصري صارخ بالرجال. وكل من لديه فطرة سوية - رجالا كانوا أو نساء - يجزم أنه وقع اعتداء على نفسية الرجال وخصوصا الشباب منهم وتم استفزازهم.
وإذا كنا نجرم التحرش اللفظي فإنه من الواجب علينا ـ نحن المجتمع المغربي بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية والمتنوعة ـ أن نجرم التحرش البصري، فهما سواء، بل قد يكون التحرش البصري أشد من اللفظي لما للصورة من تأثير بالغ على النفس أقوى من اللفظ.
الوقفة الرابعة:
ثارت حمية بعض الحقوقيين واشتط غضب الحداثيين الإباحيين بسبب الحدث المذكور أعلاه، وليتهم نددوا بتلك العبارات المشينة والسباب غير المسوغ الذي تضمنه المنشور، ولكنهم غردوا خارج السرب كعادتهم، وطالبوا بالحرية المطلقة في اللباس ولو كانت تتضمن تحرشا جنسيا بصريا دون احترام للأخلاق والمبادئ التي التفق عليه المجتمع المغربي وقررها دستور الدولة المغربية؛ فنحن شعب مسلم ذو دولة إسلامية بأمير للمؤمنين، وبعض المظاهر المخالفة للشريعة الإسلامية الموجودة في بلدنا لا تسوغ إنكار الحق الشرعي والدستوري للتحاكم إلى المرجعية الإسلامية وتأطير المرافق العامة بالهوية الإسلامية المغربية، والانخراط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق مبدأ حرية التعبير الحقة المسيجة بالشرع والقانون.
الوقفة الأخيرة:
لا يفوتني في هذه الوقفة الأخيرة أن أشير إلى التناقض المفضوح للحادثيين المغاربة، فالمتتبع لمواقفهم يجد أنهم ضد كل ما هو إسلامي ولو لم يخالف حقوقهم الكونية المزعومة؛ فحرية التعبير، أو حرية اللباس، تنتهي وتنفى إذا كانت تفضي إلى تحقيق مبدئ إسلامي كما هو الحال لمن تريد أن ترتدي خمار الوجه، فلا اعتبار للحق في اللباس ولا اعتبار لحرية اللباس حينئذ.
ومن الأمثلة الكثيرة التي تؤكد تناقض الحداثيين وازدواجية المعايير لديهم ما صدر منهم في حق التلميذة التي منعت من دراستها بمؤسسة تعليمية بالمغرب بسبب ارتدائها خمار الرأس، فهم أيدوا هذا المنع بحجة احترام القانون الداخلي للمؤسسة (المؤسسة هي تابعة للتعليم الفرنسي موجودة بالمغرب) متجاهلين بذلك قيم الحرية المتعلقة باللباس التي وظفوها الآن ضد منشور طنجة، وكأن العلمانية والحداثة لا مجال لها سوى محاربة الإسلام والأخلاق الحميدة.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق