الموقع الرسمي للشيخ د.رشيد بن أحمد بنكيران

إعلان الرئيسية


حديثنا في هذا اللقاء المبارك عن واجب شرعي عظيم، أوجبه الله جل جلاله ورسوله عليه الصلاة والسلام على المسلمين، لم يُستثن من القيام به أي أحد من الناس، هو واجب على الجميع؛
على الرجل وعلى المرأة،
على الغني وعلى الفقير،
على القوي وعلى الضعيف،
على الشاب وعلى العجوز،
على العالم وعلى المتعلم.
هذا الواجب من لم يأت به ضعف إيمانه وقد يزول،
هذا الواجب من لم يقم به نقص عمله وقد يضيع،
هذا الواجب من تركه ينتظره الوعيد الشديد من رب قدير عزيز ، يمهل ولا يهمل..
هذا الواجب هو تغيير المنكر بالقلب.
وانتبهوا: فلا أقول تغيير المنكر باليد، ولا أقول تغيير المنكر باللسان، ولكن أقول واجب تغيير المنكر بالقلب.
روى الإمام مسلم في الصحيح عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قال: سَمِعتُ رسولَ الله  يَقولُ: «مَنْ رَأَى مِنكُم مُنْكَراً فَليُغيِّرهُ بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عُرّف المنكر شرعا بتعاريف متنوعة تجتمع في أنه كل ما حرمه الله عز وجل وقبحه، وشدد الوعيد على من فعله وأظهره في الناس وفي المجتمع. ولهذا كان محط اهتمام كبير في الشرع، وعد تغييره من أعظم الأصول التي يقوم عليه الإسلام ويحفظ به الدين.
فالمنكر إذا رأيته أيها المسلم وظهر لك فيجب عليك أن تغيره أولا باليد، إذا كانت لك القدرة على ذلك،
فإن لم تستطع، فبلسانك إذا كنت صاحب علم وحكمة، تحسن التصرف والتنزيل،
فإن لم تستطع فبقلبك، أي أن تغير المنكر بعمل القلب ، وهو أضعف الإيمان وأقله.
وكان تغيير المنكر بالقلب أقلَّ الإيمان وأضعفَه مقارنة بتغيير المنكر باليد ثم باللسان، أما في حقيقته فهو من صريح الإيمان وسلامته، ومن الأعمال الجليلة العظيمة للقلوب الصادقة المؤمنة، لأن تغيير المنكر باليد أو باللسان لن يكون إلا إذا كان تغيير المنكر حصل في القلب أولا، فمن لم يغير المنكر بالقلب لن يغيره باليد ولا باللسان، فالتفاضل في مراتب التغيير لا في مراتب الإيمان ( مراتب الإيمان= سابق بالخيرات، مقتصد، ظالم لنفسه) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تغيير المنكر بالقلب هو بغضك لمعصية الله التي تراها أمامك،
هو ضيق في نفسك وانزعاج حينما ترى الفسق والفجور والمحارم تنتهك،
هو شعور في القلب بالغيرة حينما ترى من يتعدى حمى الله.
فمن حمى الله وحدوده مثلا أن يطبق شرع الله وأحكامه في الأرض، فإذا وجدت أنه لا تطبق وفي العلن فانت تغضب وقلبك يغضب؛ لأنه اعتداء على حق الله، فهو أشد حق يعتدى عليه على الإطلاق، فهو أكثر من الاعتداء على جسدك وعرضك. وغضبك هذا هو من التغيير المنكر بالقلب الذي أمرك به الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن حمى الله ومحارمه مثلا أن تحتجب المرأة المسلمة ولا تتبرج تبرج الجاهلية، فإذا رأيت نساء متبرجات كاسيات عاريات فأنت تغضب وقلبك يتكدر ولا يهدأ لك بال وتشعر بالغيرة، فهذا من تغيير المنكر بالقلب.
وإذا رأيت مثلا مائدة عليها خمر والمخدرات أو محلا يبيع الخمر يشمئز قلبك لرؤية ذلك ولا يرضى قلبك ما رأيت ولا تقر لك العين.
وإذا سمعت من يسعى إلى استحلال المحرمات؛ استحلال الزنا واستحلال اللواط والسحاق، يشتاط قلبك غضبا ولا يهدأ لك بال .
إذا شاهدت مثلا برامج في التلفاز تدعو إلى المجون وتشجع على الفسق وتحارب الأخلاق الحسنة فقلب لا يستسيغ ذلك ولا يقبله، وهذا من تغيير المنكر بالقلب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمسلم إذا لم يشعر بقلبه يضيق عند رؤية المنكر ويغضب قلبه عند وجود المعاصي، فهذا المسلم لا حياة لقلبه ، أو لا قلب له؛ روى الإمام مسلم في الصحيح من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: «مَا مِنْ نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»....
فالجهاد بالقلب هو تغيير المنكر بعمل القلب، ومن لم يأت به فليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان، قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم : "وإن أقل التغيير تغيير القلب، وأضعف مراتب تغيير أهل الإيمان، وإن لم يفعل ذلك ولا أنكره بقلبه فقد رضيه، وليس ذلك من الإيمان" اهـ. ولهذا ، كان تغيير المنكر بالقلب واجب ولا عذر لأحد فيه، فإذا كان النّهي عن المنكر باليد أو باللسان فرض كفاية؛ إذا قام به بعض النّاس سقط عن البعض الآخر، فإن تغيير المنكر بالقلب هو واجب على كل أحد ومن فروض الأعيان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقرر لدينا أن تغيير المنكر بالقلب وهو شعور وإحساس بعدم الرضا عند رؤية انتهاك المحرمات، فهو عمل القلب لا يطلع عليه إلا الله، لكن إذا وجد وأتى به المسلم فلابد أن يرى أثره على الجوارح، فالقلب هو الملك والجوارح جنوده، فإذا أمر الملك استجابت الجنود، فإن الإيمان الصحيح ما وقر في القلب وصدقته الجوارح والأعمال.
ومن مظاهر استجابت الجنود للملك وتغيير المنكر بالقلب أن تبتعد أيها المسلم عن مكان المعصية، ألا تجلس مع الفسقة وهو يفسقون، أن تصرف بصرك مثلا عن المتبرجات ، أن تطفئ التلفاز أو تغير ما رأيت من برامج الفاحشة إلى أخرى نقية طاهرة، وهكذا،
أما جلوسك والمعصية تفعل أو مشاهدتك لبرامج تدعو للفاحشة في التلفاز أو انبساطك مع الفسقة وهم يفسقون فهو مشاركة منك للمنكر، وبعبارة العصر يمكن أن نقول هو تطبيع مع المنكر، والتطبيع مع المنكر منكر. يقول ربنا جل جلاله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] ،
قال القرطبي في التفسير: "(إنكم إذا مثلهم) فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: (إنكم إذا مثلهم). فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية". اهـ
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق