تقوم الأوراق النقدية أو المالية اليوم مثل الدرهم المغربي والدينار الجزائري والأورو الأوروبي وغيرها من العملات مقام النقدين من الذهب والفضة في تثمين الأشياء وعروض التجارة. ولما كان للبدل حكم المبدل فقد وجبت الزكاة في الأوراق النقدية مثل ما تجب في الذهب والفضة بجامع علة الثمينة، وهذا القول يكاد أن يكون عليه اتفاق العلماء المعاصرين بعد خلاف وقع بينهم فيه في القرن الماضي، وقد أخذ بهذا القول معظم المجامع الفقهية المعاصرة .
وإذا كان قيمة نصاب الذهب في العهد النبوي يقرب من قيمة نصاب الفضة، فقد تغير هذا الوضع اليوم وعرف سعر الذهب أمام سعر الفضة ارتفاعا كبيرا لا مجال للمقارنة بينهما. وسعيا نحو مزيد من التوضيح أقول:
ففي العهد النبوي كانت قيمة مائتي درهم من فضة والتي تزن تقريبا 595 جرام من الفضة الخالصة تساوي قيمة عشرين دينارا من ذهب والتي يبلغ وزنها 85 جرام من الذهب الخالص ؛ أي بمعدل:
ـ 1 دينار ذهبي يقابله 10 دراهم فضة؛
- 1 جرام من ذهب يقابله أو يساوي 7 جرام من فضة.
أما اليوم ف 85 جرام من الذهب قيمتها تقريبا 7539 جرام من فضة؛ أي بمعدل:
1 جرام من ذهب يقابله تقريبا 86 جرام من فضة.
فتضاعف سعر الذهب أمام سعر الفضة ب 12 مرة وزيادة .
وقيمة نصاب الذهب بالدرهم المغربي اليوم: هو 38000درهم، وقيمة نصاب الفضة بالدرهم المغربي هو 3000درهم. فهناك بون شاسع بين النصابين من حيث قيمتهما الذين كان في العهد النبوي متساويان.
ونظرا لعدم وجود نص صريح أو دليل قطعي يُبين حكم البدل عن النقدين من الذهب والفضة أي حكم الأوراق النقدية أو المالية هل تُقدَّر بنصاب الذهب أو بنصاب الفضة، وقع الخلاف بين أهل العلم:
ـ فذهب فريق من العلماء إلى اعتبار نصاب الذهب هو المعيار الأرجح في تحديد نصاب الأوراق النقدية، وممن قال بذلك الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه القيم فقه الزكاة وغيره من العلماء المعاصرين.
ـ وذهب فريق آخر من العلماء إلى اعتبار نصاب الفضة هو المعيار الأرجح في تحديد نصاب الأوراق النقدية، وممن قال بذلك العالم المغربي محمد التاويل والشيخ وهبة الزحيلي في موسوعته القيمة الفقه الإسلامي وأدلته.
والقول الثاني أولى بالاعتماد للأسباب الآتية:
أولا: ثبوت نصاب الفضة بالأحاديث الصحيحة وإجماع الأمة عليه، بخلاف نصاب الذهب فلم يصح فيه حديث وإن وقع الإجماع على نصابه؛
ثانيا: التقدير بنصاب الفضة فيه إبراء لذمة المزكي بيقين، واحتياط المسلم لدينه أولى والعمل بما يبرئ ذمته أحلى ، بخلاف التقدير بنصاب الذهب لارتفاع الكبير لسعره؛
ثالثا: التقدير بنصاب الفضة فيه توسيع لدائرة المزكين لانخفاض سعر الفضة، والذي سيترتب عنه توسيع العمل بركن من أركان الإسلام الخمس من طرف فئة عريضة من المسلمين، وهي فرصة أن يستفيدوا من الخير المترتب على أداء الزكاة في الدنيا قبل الآخرة، ومن بينها نمو مالهم وزيادة بركته: { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال عبد من صدقة» حديث صحيح ؛
رابعا: التقدير بنصاب الفضة هو أحظ للفقراء وأنفع لهم نظرا لكثرة المال الذي سيزكى عليه، وما كان كذلك فهو أولى أن يأخذ به ؛
خامسا: التقدير بنصاب الفضة ليس فيه ضرر على أحد، لأن أقصى ما يترتب عن الأخذ بهذا القول؛ هو أن مَن ملك قيمة نصاب من الفضة بسعر اليوم (3000درهم) سيخرج ما قيمته 75درهم، وهذا المبلغ لن يؤثر على من أدى الزكاة ولو كان ماله كله هو قيمة نصاب من الفضة؛
سادسا: اتفاق جمهور العلماء على وجوب الزكاة في عروض التجارة ـ أي في السلع المعدة للبيع ـ إذا بلغت نصابًا باعتبار أقل النقدين قيمة ، وهو في وقتنا المعاصر هو نصاب الفضة؛
سابعا: اعتبار نصاب الفضة عند ارتفاع سعر الذهب هو أشبه بمذهب الزهري وعطاء، فقد سئل عطاء رحمه الله عن الرجل يكون لديه تسعة عشر دينارا ليس له غيرها، والصرف اثنا عشر أو ثلاثة عشر بدينار أفيها صدقة؟ قال: «نعم إذا كانت لو صرفت بلغت مائتي درهم» انظر مصنف عبد الرزاق (4/ 91)، وكتاب الأمول لحميد ابن زنجوية (2/784). وممن قال " بأن لا زكاة في الذهب إلا بقيمة ما يبلغ مائتي درهم فصاعدا من الورق القاضي سليمان بن حرب الواشحي (ت 214هـ)". انظر المحلى بالآثار (4/ 174).
• اعتراض ودفعه:
الأول:
قد يقول قائل: أوجب الشرع الزكاة على الأغنياء. وهل من ملك 3000 درهم اليوم يعتبر غنيا !؟، فبيقين أنه ليس غنيا، فكيف نوجب الزكاة على هذا الصنف من المسلمين ؟؟؟
وجوابا على هذا الاعتراض أقول: الغنى المطلوب في باب الزكاة ليس هو الغنى الذي ينتشر مفهومه في عرف الناس، فهذا الأخير لا حد له ولا ضابط، ويشهد لهذا الفرق بين مفهوم الغنى في باب الزكاة وفي غيره أن الشرع أوجب الزكاة على الفلاح الذي حصد خمسة أوسق من قمح فصاعدا ؛ أي ما مقداره بالوزن 652 كيلو، وقيمته بالعملة المغربية 3260درهم بسعر اليوم، فما يقال لهذا الفلاح الذي تجب عليه الزكاة بإجماع الأمة يقال عمن ملك 3000درهم، وإذا وجبت الزكاة على هذا الفلاح، فما يمنع أن تجب الزكاة على التاجر الذي بلغ نصابا قدره 3000درهم، فهما متقاربان من حيث المستوى الاجتماعي أو ما يملكان.
والثاني:
بيّن الشرع أن الزكاة تعطى للفقراء ، وتصنيف من يملك 3000درهم من جملة الأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة سيحرم هذا الصنف من أن يكونوا من آخذي الزكاة، وحقيقة من يملك ذاك المبلغ هو من معدود من الفقراء ! ؟.
وجوابا أقول: الذي يملك مبلغ 3000 درهم سنة كاملة، ولم تلجئه ضروريات الحياة ولوازم العيش إلى أن ينفق ذلك المبلغ، بمعنى أنه أنفق على نفسه وعلى من يعول وبقي ذلك المبلغ محفوظا لديه عاما بأكمله ،فحقيقة هذا الإنسان أنه مستغن عن ذلك المبلغ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه لا مانع شرعا أن يزكي المسلم إذا وجبت عليه الزكاة، ويأخذ الزكاة إذا كان محتاجا مستحقا لها، ولنا في زكاة الفطر خير مثال.
خلاصة:
لا يخفى على أحد أن مبلغ 3000درهم بالعملة المغربية هو مبلغ متواضع جدا، والحديث عنه باعتباره نصابا لمن تجب عليه الزكاة قد يراه البعض غير مستساغ أمام الواقع المعيش. ولكن، نحن أمام وضعين اثنين لا ثلاث لهما، إما أن نعتبر قيمة نصاب الذهب (=38000درهم)، أو نعتبر قيمة نصاب الفضة (=3000درهم)، والقول الأخير أولى لأسباب التي سبق بيانها. والدعوة إلى إحداث قول جديد غير مسبوق فيه مخاطر كبيرة قد تفضي إلى الاستهانة بشريعة الزكاة، والتي أصبحت ـ للأسف ـ متروكة لإيمان المسلمين فقط وموكولة إلى ضمائرهم، ولا حارس لها كما هو المفروض شرعا. ولهذا، كان فتح باب تغيير الموروث في هذه المسألة هو الإقدام على مزيد من الاختلاف دون مصلحة راجحة، ومع كثرة الأهواء ـ كما هو ملاحظ ـ لن تحصل الأمة على شيء يذكر سوى فقدان الناس الثقة بالدين.
وبناء عليه:
فمن ملك مبلغا ماليا قدره 3000درهم فما فوق، ومر عليه عام هجري، أي لم ينفقه وبقي عنده سنة كاملة يكون مخاطبا بالزكاة وتجب عليه الزكاة؛ لأنه ملك قيمة نصاب من الفضة ومر عليه حول.
ومن لديه عروض تجارة؛ أي سلع معدة للبيع بقيمة 3000 درهم فما فوق، ومر عليها عام هجري كامل يكون كذلك مخاطبا بالزكاة وتجب عليه الزكاة بشروطها؛ لأنه ملك قيمة نصاب من الفضة ومر عليه حول كامل. والقدر الواجب إخراجه هو ربع العشر من المال ( 2.5% ).
والله أعلم
