الموقع الرسمي للشيخ د.رشيد بن أحمد بنكيران

إعلان الرئيسية


سبق في المقال الأول تقرير أن أحاديث الآحاد تفيد الظن، وأن مقتضى هذا الظن وجود احتمال مرجوح في الحديث الصحيح الذي توفرت فيه شروط الصحة من حيث الظاهر ، وهو أمر يفرضه العقل (الجائز العقلي أو الممكن) ، باعتبار أن عملية تصحيح الأحاديث ( ما نقوله عن تصحيح الأحاديث فهو أيضا وارد في تضعيف الأحاديث) هي عملية اجتهادية يقوم بها بشر ، ورغم كونهم علماء ومختصين في علم الحديث فإنهم غير معصومين. ومن الشواهد الواقعية على أن الحكم بالتصحيح أو التضعيف للأحاديث النبوية هو عمل اجتهادي بشري يكتنفه الظن ويرفض العصمة، هو اختلاف العلماء في الحكم على بعض الأحاديث بين مصحح لها ومضعف، وقابل لها وراد.
ولهذا، كان في المقابل أن الأحاديث الآحاد الصحيحة التي لم يختلف العلماء المختصون في الحكم على صحتها وتلقوها بالقبول والرضى ارتقت من إفادة الظن إلى إفادة العلم النظري، أي أن إطباق العلماء على تصحيح حديث ما عبر العصور المختلفة دليل قوي على أن ذلك الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو وإن لم يصل الحديث إلى درجة المتواتر أو إفادة العلم الضروري، فهو قد تحقق فيه شرط العلم النظري القريب جدا من القطع ، و الذي لا يحق لأحد تكذيب نسبة ذلك الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام إلا ببرهان أقوى، يستند إلى عناصر العلم الضروري الذي لا يقبل الاختلاف والجدال.
وبناء عليه، فإن أحاديث الآحاد التي خلت من قرائن ترتقي بها إلى إفادة العلم النظري تبقى ضمن دائرة الظن الراجح الذي يفيد العمل (عمل القلب والجارحة)، ولا يزال احتمال الخطأ فيها وارد ، وإن كان مرجوحا، وقد يقوى هذا الاحتمال لوجود أسباب تنقدح في ذهن العالم فيضعّف الحديث أو يتوقف في الحكم عليه، وقد يكون ما انقدح في ذهنه ليس صوابا عند غيره من العلماء فيخالفونه في الحكم على الحديث. ولا يستوجب صنيع من ضعف الحديث قدحا في مكانته العلمية أو نيته، كما لاستوجب من خالفه انتقاصا من مكانته العلمية أو طعنا في نيته، والأهم من هذا كله لا يستوجب صنيع المختلفين في الحكم على بعض الأحاديث القدح في علم مصطلح الحديث لدى العقلاء، أو الشك في عدم قدرته على التمييز بين الأخبار الصحيحة والأخبار المكذوبة؛ لأن هذا العلم يتأسس على قواعد علمية منها ما يرتبط بأقوى دليل: وهو تتبع المرويات الذي يمكن أن نطلق عليه بدليل استقراء للمرويات، فقد اشتهر عند الحفاظ والمحدثين قول علي بن المديني رحمه الله "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه "، وقال الإمام أحمد: "الحديث اذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا "، وقال ولي الدين ابن العراقي: "الحديث اذا جمعت طرقه تبين المراد منه، و ليس لنا أن نتمسك برواية و نترك بقية الروايات " ولهذا فإن خان التوفيق عالما في الحكم على راوي ما فعدّله وهو ليس كذلك، ظهر خطؤه من خلال عملية المقارنة بالمرويات الأخرى . ومن قواعد هذا العلم كذلك ما يرتبط بموافقة المنقول للمعقول، فلا يكتفي العلماء بسبر المرويات من جهة السند، بل ينظرون أيضا إلى متونها ويعرضونها على معقول الشرع وقواعده المحكمة، فإن علم مصطلح الحديث هو علم يعرف به أحوال السند و كذلك المتن من حيث القبول والرد، فالنظر في متون الأحاديث من صميم علم المصطلح الحديث، وهذه القواعد وغيرها هي التي جعلت المخالفين للإسلام من المنصفين من مدرسة الاستشراق يقدرون قوة علم مصطلح الحديث فضلا عن المسلمين.
يجدر بي أن أمثل بأمثلة تزيد توضيح ما سبق تقريره، وسأختار أمثلة تتعلق بالإمام مالك رحمه الله، نظرا لكون هذا الإمام حاز الإمامة في علم الحديث وفي الفقه.
المثال الأول: موقف الإمام مالك من حديث ولوغ الكلب
ـ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: قَالَ رسول -صلى الله عليه وسلم- : «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِى التُّرَابِ»
هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وغيره من المحدثين، إلا أن الإمام مالكا رحمه الله ثبت عنه أنه قال في حديث ولوغ الكلب : "جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته؟"، ومعنى قوله جاء الحديث أي ثبت ووصل الحديث إليه بطريق صحيح، فظاهره الصحة كما تقتضيه قواعد علم الحديث ، لكن استشكل عليه معناه من حيث الظاهر، وإليه إشارة بقوله " ولا أدري ما حقيقته" فقد بدا له أنه يخالف ما فهمه من ظاهر القرآن ، ولهذا قال الشاطبي الموافقات (3/ 195) : وكان يضعفه ويقول: "يؤكل صيده؛ فكيف نكره لعابه؟" اهـ، وهي إشارة إلى ما دل عليه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [المائدة: 4]. أي يحل لكم ما أمسكته كلاب الصيد المعلمة، ولابد أن يقع لعاب الكلب على الطريدة عند الإمساك، فإذا كان كذلك، فكيف يؤكل صيد الكلب ويكره لعابه، هذا هو شرح استشكال الإمام مالك.
دل موقف الإمام مالك على فوائد نقف على اثنين منها تتعلق بمحل الشاهد:
ـ دل صنيع الإمام مالك أن مذهبه في أحاديث الأحاد أنها تفيد الظن، إذ لو كان يعتقد أنها تفيد القطع ما وسعه أن يترك العمل بحديث ولوغ الكلب لما فهمه من ظاهر القرآن، فإن اعتقاد أن حديث الآحاد يفيد الظن يقضي أن راوي الحديث ـ وإن كان ثقة ـ فمن المحتمل أن يقع في الخطأ، فاحتمال خطئه جائز؛ ورغم أن الأصل في هذا الاحتمال أنه مرجوح لكون حديث ولوغ الكلب يظهره عليه الصحة لتوفره على شروط الحديث الصحيح، إلا أن الإمام مالكا ترجح لديه ما يقوي هذا الاحتمال المرجوح ويصبح هو الراجح في نظره ويحكم بضعف حديث ولوغ الكلب.
ـ لا يلزم من تضعيف أحاديث ظاهرها الصحة من حيث السند لوجود ما يمنع من قبولها متنا الطعن في علم مصطلح الحديث، وادّعاء أنه غير قادر على تمييز صحيح الأقوال المنسوبة إلى النبي  من ضعيفها، فإن النظر في متن الحديث من حيث نكارته أو مخالفته للمعقول أو المقطوع بصحته هو من صميم علم الحديث، ويدخل هذا النظر في شرط من شروط الصحة؛ وهو خلو الحديث من علة قادحة فيه. ولهذا لم يجد الإمام مالك ـ وهو الإمام في الفقه والحديث ـ أي غضاضة في إعلان توقفه بالعمل بحديث ولوغ الكلب، لأن ما قام به من صميم علم الحديث ولا يترتب عنه طعن فيه أو هدم لأسسه وقواعده.
المثال الثاني : موقف الإمام مالك من حديث خيار المجلس
ومن الأمثلة التي نؤكد بها ما سبق ذكره حديث خيار المجلس، فإن مالكا كان يرويه في موطئه، وبسند يعد من أصح الأسانيد؛ ما يعرف بالسلسلة الذهبية، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ ». فقد أجمع العلماء على أن هذا الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من أثبت ما نقل الآحاد العدول، ورغم ذلك قال فيه الإمام مالك: "وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه"، يقول الشاطبي في بيان موقف الإمام مالك من الحديث: "إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شرط أحد الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا؛ فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطًا بالشرع؟ فقد رجع ـ أي الإمام مالك ـ إلى أصل إجماعي". انتهى كلام الشاطبي
وهذا يدل أن مالكا توقف في العمل بظاهر حديث خيار المجلس رغم صحته سندا عنده، ولكن لما تعارض لديه مع أصل أقوى قدم ما يصح تقديمه في نظره، ولم يستوجب هذا التقديم طعنا في الحديث نفسه، والتشكيك فيه من حيث الثبوت، وإلا لما أودعه في كتابه الموطأ، ومن طريق من أقوى الطرق في الإسناد ، وإنما حمل الإمام مالك الحديث على معنى ينسجم مع القواعد الكلية التي تقررت لديه؛ لأن من المحتمل جدا أن يتصرف راوي الحديث في اللفظ النبوي ويحدث بالمعنى ظنا منه أنه يفيد المعنى نفسه وهو ليس كذلك، فإذا انقدح في ذهن العالم ما يدعو إلى هذا الاحتمال ـ وإن كان خلاف الأصل ـ قدمه وحمله على معنى يتفق مع المعنى الكلي للشريعة، ودفع بذلك التعارض الذي دل عليه الحديث من حيث الظاهر.
لم يكن الغرض من سوق هذه الأمثلة بيان الراجح من أقوال العلماء في مسألة ولوغ الكلب، أو في مسألة خيار المجلس، ولهذا لم أخض فيها، وإنما كان الغرض هو بيان أن أحاديث الأحاد تفيد الظن، ومن مقتضيات هذا الظن أنه إذا تعارض مع ما هو أقوى منه ، وتعذر الجمع بشروطه المقررة ، قُـدّم الأقوى ، وأن العالم يستحضر عند النظر في أحاديث الآحاد جملة من القواعد العلمية المؤسسة لعلم مصطلح الحديث، وأن هذه القواعد العلمية تعطي قوة لعلم مصطلح الحديث وقدرته لسبر المرويات سندا ومتنا، وليس كما زعم من زعم من المناوئين للسنة النبوية، وهم فرق، ومن بينهم أصحاب "كفاية القرآن" أو "القرآن وكفى" أن علم مصطلح الحديث مجرد صناعة للتوفيق بين الأخبار وليس علما ، وأنه غير قادر على تمييز الأخبار الصحيحة المنسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام من سقيمها، وهو ادعاء فارغ يقوم على جهل أو تجاهل بحقيقة علم الحديث ومسائله، وبمنهاج العلماء في مقاربة الأحاديث الصحيحة سندا التي ظاهرها يدل على ما يستشكل، واصطلح عليها العلماء بمشكل الحديث، وألفوا فيها كتبا ككتاب بيان مشكل الآثار للطحاوي وكتاب مشكل الحديث وبيانه لأبي بكر ابن فورك الأصبهاني وغيرهما.
ومن الأساليب التي يعتمد عليها من يروم الطعن في علم مصطلح الحديث ووصفه بالعجز عن تمييز الأخبار المنسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ،أنهم ينتقون أحاديث نبوية توجد في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم أو في غيرهما من كتب السنن، والتي يمكن أن تصنف ضمن مشكل الحديث، ويتناولونها بسذاجة وسطحية أقرب إلى الوقاحة منها إلى العلم ، ويصنعون تناقضا بين تلك الأحاديث وبين ما فهموه هم !?من ظاهر القرآن، أو مع نتائج العلوم الحديثة، أو بعض النظريات العلمية، وعقولهم ، ليحدثوا شكا في الصحيح البخاري أو في صحيح مسلم ، وتبعا يشككون في السنة النبوية وعلى أحقيتها بالتشريع.
يتبع إن شاء الله تعالى

تنبيه: هذه السلسلة "من مقتضيات الظن في أحاديث الآحاد" ليست هي السلسلة التي وعدت بها والتي هي بعنوان "وقفات مع طائفة القرآنيين أو أصحاب كفاية القرآن" التي ستبدأ قريبا إن شاء الله تعالى.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق