الموقع الرسمي للشيخ د.رشيد بن أحمد بنكيران

إعلان الرئيسية



في الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَعَى النَّجَاشِىَّ فِى الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا .
هذا الحديث هو أصل في صلاة الجنازة على الغائب، وجميع علماء المذاهب يقرون بصحته، وتلقته الأمة بالقبول، ولكن وقع الخلاف فيما بينهم في فهمه وتأويله، فالخلاف بين العلماء ليس في غياب النص الشرعي وإنما في دلالاته والاستنباط منه، وكما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على النجاشي، ثبت كذلك عدم صلاته على من مات من الصحابة وهو بعيد عنه، فتركه عليه الصلاة والسلام للصلاة على الغائب سنة، وكذله وفعله غبيه الصلاة والسلام سنة. ويمكن أن نلخص أقوال العلماء في الصلاة على الغائب في ثلاثة:
الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أن الصلاة على الغائب لا تشرع مطلقا. وجوابهم على هذا الحديث أنها خاصة بالنبي صلى الله صلى الله عليه وسلم. ووجه الخصوصية عندهم هو أن حضور جثمان الميت شرط في الصلاة عليه، ولا يمنع أن يكون كُشف للنبي عليه الصلاة والسلام لمقامه عند الله عز وجل نعشَ النجاشي، وغيره يمتنع عليه، ولهذا فهي من خصوصيات النبي وغيره لا تجوز له.
الثاني: ذهب الشافعي وذلك المشهور عند الحنابلة إلى أنها مشروعة لهذا الحديث الصحيح، وكان ردهم على من قال بالخصوصية، أن الخصوصية تحتاج إلى دليل صريح وليس إلى مجرد احتمال، ولا دليل هناك. وللإمام ابن العربي المالكي كلام جميل في رده على دعوى الخصوصية فقال في كتابه في المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 525):
"قالت المالكية: ليس ذلك إلَّا لمحمد - صلّى الله عليه وسلم -.
قلنا: وما عمله محمّد - صلّى الله عليه وسلم - يُعملُ به، وتعمل به الأُمَّة من بَعْدِهِ.
فإن قيل : طويت له الأرض وأحضر روحه بين يَدَيْهِ.
قلنا: إنّ ربَّنَا لقادِرٌ، وإن نَبِيَّنَا بذلك لأهلٌ، ولكن لا نقِرُّ بِهِ ؛ لأنّكم رويتموه من عند أنفسكم.
فإن قيل: إنّ جبريل -عليه السّلام- جاءَهُ بروح جعفر أو بجنازته وقال: قم فصلّ عليها.
قلنا: لا نتحدّث إلَّا بالثّابت من القَوْلِ، ودَعُوا الضَّعِيفَ؛ فإنَّه سبيل التَّلَفِ فيما ليس فيه صحيح". اهـ
قلت: ولهذا كان اختيار ابن العربي هو الصلاة على الغائب، وسبقه من المالكية إلى ذلك ابن حبيب (238هـ) صاحبة الواضحة في السنن.
الثالث: ذهب قلة من العلماء إلى التفصيل والتوسط بين القولين؛ فإن كان الغائب لم يصل عليه أحد بمكانه يجوز أن يصلي عليه الصلاة على الغائب، وإن كان قد صلي عليه في مكانه فلا يصلى عليه ؛ لأن فرض صلاة الجنازة قد سقط، فهي فرض كفاية، وهذا التفصيل قولٌ في مذهب الإمام أحمد، وهو اختيار ابن تيمية وابن قيم الجوزية.
وإذا علم أن صلاة الجنازة روحها وجوهرها أنها دعاء للميت، وما أحوجه له، فإن أقوى المذاهب من حيث الدليل من قال بالتفصيل، وأوسعها رجاء المذهب الثاني الذي قال بالمشروعية مطلقا، ويتأكد هذا الاختيار عند الحاجة إليه، ومن الحاجة ما تعيشه معظم البلدان من الحجر الصحي بسبب الوباء، فلا يصلي على الميت إلا اثنان أو ثلاثة والله المستعان، فلا ينبغي صرف الناس عن الصلاة على الغائب في هذه الأحوال، وقد سبق الإشارة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الغائب ففعله سنة، وأنه كذلك ترك الصلاة على الغائب فتركه سنة ، والأمر واسع. والله أعلم 
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق