الموقع الرسمي للشيخ د.رشيد بن أحمد بنكيران

إعلان الرئيسية





 تعرض الإمام الشاطبي لموضوع الاجتهاد في كتابه الموافقات، وذكر هناك شروطا يجب أن يتصف بها من نصب نفسه مجتهدا يوقع عن رب العالمين، وقد تلخص لنا من مجموع ما قرره بتتبع كلامه في مظانه أن الاجتهاد لا يصح نسبته إلى الشرع وتنزيل صاحبه منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله إلا إذا توفر لصاحبه ثلاثة شروط:

ـ فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
ـ التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها.
ـ فهم اللغة العربية حق الفهم.
وبناء عليه، فإن الإمام الشاطبي كان مجتهدا بالقوة؛ لأنه توفرت فيه الشروط التي قررها، والشاهد على ذلك كتبه التي بين أيدينا، من بينها: الاعتصام وهو في فقه البدع تأصيلا وتمثيلا، والمقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية وهو شرح مستفيض لألقية ابن مالك تشهد له بعلو كعبه في اللغة وعلومها، والموافقات المؤلًّف الفريد في أصول الفقه الذي كان سببا مباشرا في نهضة علمية لعلم مقاصد الشريعة في وقتنا المعاصر، ثم شهادة العلماء المعاصرين بأنه حصل النصاب المطلوب لكي يكون من أهل الاجتهاد.
وإذا كان الشاطبي مجتهدا بالقوة فلماذا اختار التقليد؟
عُرف عن الإمام الشاطبي أنه نسب لنفسه التقليد في بعض الفتاوى التي أجاب عنها، من بينها أنه سئل رحمه الله عن مسألة المرتد الذي إن صح له إرثه في أبيه المتوفي بعد الارتداد فإنه يراجع الإسلام، وأن أهل موضعه راغبون في إسلامه خوفا من عاديته على بلده إن بقي على ارتداده... وهل يصح ميراثه إن رجع إلى الإسلام؟ وهل يجوز أخذ بقول من يقول بجواز ميراث ذلك المرتد، وإن كان شاذا في المذهب وفي غير المذهب؟ (1)
فأجاب رحمه الله بما يقتضيه المنع على المذهب المالكي(2) ، وأنه هو المشهور المعمول به فيه، ولا يجوز أن ينصرف عنه، وبين سبب ذلك، فقال رحمه الله:
"ولا ينصرف إلى غيره مع وجود التقليد في المفتي كزماننا، وأن لا أستحل ـ إن شاء الله ـ في دين الله وأمانته أن أجد قولين في المذهب فأفتي بأحدهما على التخيير مع أني مقلد، بل أتحرى ما هو المشهور والمعمول به، فهو الذي أذكره للمستفي ولا أتعرض له إلى القول الأخر، فإن أشكل علي المشهور ولم أر لأحد من الشيوخ في أحد القولين ترجيحا توقفت".
فمن خلال جواب الإمام الشاطبي يتضح أنه يرى نفسه مقلدا، ولا يعطي لنفسه حق الترجيح فيما أشكل عليه، وهذه مرتبة غارقة في التقليد. ولا شك أن هذا التصريح يضاد ما سبق تقريره بأن الشاطبي بلغ مبلغ الاجتهاد، فكيف يمكن توجيه ذلك؟
من الممكن أن يقال إن جواب الإمام الشاطبي كان في بداية مسيرته العلمية، فالإنسان لا يولد عالما دفعة واحدة فضلا عن مفت مجتهد، فيتدرج العالم من مستوى إلى أعلى منه حتى يصير مفتيا مجتهدا مكتمل الأوصاف، فإن العلم بالتعلم، والفتوى صناعة. وهذا أمر مشاهد في الواقع لا يمكن الاختلاف عليه.
ولكن الذي بدا لي أن لاختيار الشاطبي التقليد تفسيرا آخر غير الاحتمال المذكور آنفا، وهو أنه اختار التقليد لمصلحة شرعية قصد دفع مفسدة أشد وأخطر من مفسدة لتزامه التقليد، فالتقليد في حق المفتي خلاف الأصل، ولا يجوز له ذلك إلا عند الضرورة كما قرره العلماء، والضرورات تبيح المحضورات، كما أنها تقدر بقدرها.
ومستند هذا الاحتمال ما ذكره الشاطبي في كتابه الموافقات لما تعرض لمسألة خطورة الفتوى بالهوى ونقل عن الإمام المازري على إمامته أنه كان لا يفتي بغير المشهور من مذهب مالك، ومحله من العلم ما قد علم من وصوله إلى مرتبة المجتهد.
ومحل الشاهد من كلام الإمام المازري: "ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قـلّ، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه، فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب؛ لاتسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها (3)"اهـ.
فكلام المازري صريح في بيان علة التزامه بمشهور المذهب أي بالتقليد، وأنه كان سدا لذريعة هتك حجاب وهيبة المذهب.
ولا ينبغي أن يفهم من كلام المازري أن السبب محصور في الخشية من اندراس المذهب المالكي، بل الأمر أكبر من ذلك؛ لأنه سيؤول إلى اندراس معالم الدين، وقد صرح الشاطبي بهذا المعنى في الموافقات معلقا على كلام المازري السابق: "فانظر كيف لم يستجز -وهو المتفق على إمامته- الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما يعرف منه بناء على قاعدة مصلحية ضرورية؛ إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى كما تقدم تمثيله، فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله (4) "اهـ ، فعُـلم أن الشاطبي التزم التقليد لمصلحة ضرورية، وليس من عي فيه، فهو مجتهد بالقوة تارك له لمصلحة راجحة.
وإذا تأملنا واقعنا اليوم نجد ما قاله الشاطبي واضحا وملموسا؛ إذ تجاسر صنفان من الناس ليس أهلا للفتيا:
- صنف تصدر المجالس يفتي الناس غير ملتزم أي منهاج في الفتيا ولا على أي مذهب من المذاهب الفقهية ولا مؤطرا بقواعد شرعية كلية بدعوى التجديد والتيسير، والتمسك بالدليل، وهو يخبط خبط عشواء، ويسعى في هدم الدين من حيث لا يدري. فيجب على شباب الصحوة الإسلامية أن ينتبهوا إلى هذا الأمر وخطورته، ولا ينبغي حبهم للدليل المجرد أن يعميهم عن النظر في مآل الأمور، فقد يبدو الأمر يسيرا ولكنه ينتهي عسيرا.
- صنف ثان هم أصحاب الهوى وإن كان بعضهم من أهل الفتوى، يختارون من الفتاوى ما تميل مع مصالح الحكام حيث اتجهت ويفتونهم وفق رغباتهم فتضيع مصالح الأمة ويختلط عليها أمر دينها.
--------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- فـتـاوى الإمام الشاطبي بتصرف ، ص 231.
2 - قال رحمه الله: "إن قاعدة مذهب مالك أن سبب انتقال ملك موروث إلى الوارث لا قسمة التركة، فإذا مات الموروث انتقل الملك بأثر حصول الموت إلى من كان وارثا شرعيا قسمت التركة أم لا، وعلى هذا المعنى تضافرت نصوص مالك وابن قاسم وغيرهما في المدونة وغيرها، فلاحظ في ذلك للمرتد راجع الإسلام قبل القسمة أم لا، وإن جاء نقل في المذهب فمشكل على قواعد المذهب وعلى قواعد الشريعة". 3- فـتـاوى الإمام الشاطبي ص 231.
4 - الموافقات، (5/ 101).
5 - الموافقات، (5/ 101).
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق