عمل دون استحضار مقصده كجسد لا روح فيه، فالمقاصد أرواح الأعمال، وكلما تحقق المكلف من مقاصد أعماله الصالحة سما إيمانه وزكت نفسه وأتقن عبادته وارتقى الى مراتب الإحسان.
ولهذا يحسن بالدعاة والفقهاء والمربين أن يرغبوا الناس في الأعمال الصالحة، ولكن مع التنبيه على مقاصدها وأرواحها، فلا يقتصروا على ذكر أركان الأعمال وشروطها وكيفيتيها وينسون مقاصدها، فإن اقتصروا على ذلك كانت دعوة الى جسد لا روح فيه .
والمطيع لا ينتفع بعمله الصالح كمال لانتفاع إلا إذا توفرت فيه ثلاث خصال:
- إخلاص النية لله وحده لا شريك له؛
- الوقوف على قانون العمل وشكله كما جاء به الشرع دون تكلف وتعمق، فمن شَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ؛
- فهمُ مقصد العمل، فلا تشريع دون مقصد وحكمة، ورب مقصد عمل أعظم من شكله وقانونه.
وللأسف، فقد وقع التفريط في استحضار مقاصد الأعمال ولامياتها والمغزى منها، وظهرت في الناس مظاهر طاعات لا مقاصد فيها، وفي بعض الأحوال تنافي المقصد الحقيقي من تشريعها.
لاشك أن هذا يتطلب اهتماما كبيرا ومجهودا مستمرا من الدعاة والفقهاء لإصلاح ما وقع من سوء التصرفات بتعليم الناس مقاصد الطاعات، ومن جميل ما قرأت في الموضوع ما قاله عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي المالكي:
"وَدِدْتُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَيْسَ لَهُ شُغْلٌ إلَّا أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ مَقَاصِدَهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَيَقْعُدَ إلَى التَّدْرِيسِ فِي أَعْمَالِ النِّيَّاتِ لَيْسَ إلَّا،... فَإِنَّهُ مَا أَتَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا مِنْ تَضْيِيعِ النِّيَّاتِ" من كتاب المدخل لابن الحاج (1/ 6)
